إن استعادة الدبلوماسية اللبنانية لروحها الفاعلة، وإخراج لبنان من حالة الإنعزال السياسي والأمني التي يفرضها على نفسه، ليست بالأمر المستحيل. كذلك فأن إعادة بناء شخصية جديدة للبنان، وصياغة دور إقليمي ودولي مرحّب به، لا تزال ممكنة، شريطة أن تتحلّى رئاسة الجمهورية والحكومة اللبنانية بما يكفي من الشجاعة والإقدام اللذين يبدوان مفقودين حتى الآن.
إن حضور الدولة واستعادة دورها السيادي يشكّلان حاجة وجودية للبنان، لا سيما في المناطق التي دفع أبناؤها من استقرارهم ومستقبلهم أثمانًا تفوق قدرتهم على الإحتمال، ليس فقط نتيجة مصادرة «حزب الله» لقرار الحرب والسلم، بل أيضًا بفعل استيلائه على مجمل مقومات الدولة وتهميشها إلى حدّ شطبها من وعي المواطنين. إزاء ذلك، لا يمكن للدور الذي تؤدّيه الدولة تجاه مواطنيها أو أمام المجتمع الدولي أن يقتصر على تنفيذ حصرية السلاح وهو مسار لا يزال موضع تدقيق ومساءلة دولية فيما تُحجم، في المقابل، عن الاضطلاع بمهمة لا تقل أهمية لكنها تتطلّب قدرًا أكبر من الجرأة السياسية، تتمثّل في الحضور الفعلي والمكثّف للدولة، بكامل أجهزتها الصحية والإنمائية والتربوية والأمنية، في المناطق التي تعلن فيها استعادة السيطرة الأمنية ونزع السلاح، للوقوف على حاجات المواطنين، واستعادة دورها الوطني ممن صادره وأفرغه من مضمونه.
إن الإنخراط الفعلي للدولة اللبنانية، بكامل مؤسساتها المدنية والأمنية، في جنوب لبنان، مقرونًا بدعوة منظمات المجتمع الدولي إلى المشاركة به، هو المؤشر الأكثر جدّية وصدقية على تنفيذ مبدأ حصرية السلاح، والذي يتقدم في دلالته السياسية والعملية على مختلف آليات التحقّق التقنية، بما فيها مطالبة «الميكانيزم» بتفتيش المنازل. ومن شأن هذا النهج أن يمنح المطالبة بانسحاب إسرائيل من النقاط المحتلة بعدًا وطنيًا جامعًا، يمكن توظيفه بفاعلية على المستويين الإقليمي والدولي، لدحض الذرائع الإسرائيلية التي نجحت، إلى حدّ بعيد، في البناء على موقف «حزب الله» الرافض لتسليم سلاحه، وتقديم مهمة حصرية السلاح بوصفها إجراءً ظرفيًا وعابرًا، سرعان ما يفضي، بعد الانسحاب الإسرائيلي، إلى عودة الحزب إلى مواقعه السابقة في الجنوب.
صحيح أن الإجراءات التي نفّذها الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني قد تُقنع المجتمع الدولي بجدّية تطبيق مبدأ حصرية السلاح واستعادة الدولة لسيادتها الأمنية في هذا القطاع، غير أنّ التحدّي الأعمق والأكثر إلحاحًا يبقى في حاجة الدولة إلى استعادة ثقة مواطنيها بها، وذلك عبر إسقاط جميع مراكز القوى الداخلية المتكئة على إرث طويل من الوصاية، وترسيخ حضور الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة القادرة على الحماية والإنماء والتمثيل الوطني.
من جهة أخرى، إن استعادة المرونة الدبلوماسية وإخراج لبنان من الحالة السلبية التي تستفيد منها إسرائيل يقتضيان المضيّ قدمًا في تحرير القرار الوطني، والتعامل بشجاعة وثبات مع التحوّلات الإقليمية الجارية، بما يسمح بإعادة إدماج لبنان في مشهد إقليمي جديد آخذ في التشكّل. وفي هذا السياق، تُطرح جملة من التساؤلات المشروعة، على سبيل المثال لا الحصر، حول أسباب عدم المبادرة، وبصورة عاجلة، إلى تحديد الحدود البرية مع سوريا، وتوقيع اتفاقات أمنية واضحة لإقفال ملف العبور غير الشرعي بين البلدين، ومعالجة مسألة إيواء المطلوبين للعدالة. ويُضاف إلى ذلك ملف ترسيم الحدود البحرية، الذي قد يشكّل مدخلًا لتعاون ثنائي في مجال الطاقة، لا سيما في أعقاب إنجاز الترسيم مع قبرص.
كما يبرز، في الإطار نفسه، ملف استجرار الغاز المصري عبر الأردن وسوريا، واستيراد الكهرباء من الأردن، في ضوء إلغاء «قانون قيصر» ورفع العقوبات عن سوريا، بما من شأنه التخفيف من حدّة أزمة الكهرباء المزمنة في لبنان، وهو مسار كانت قد عملت عليه سابقاً السفيرة الأميركية السابقة في لبنان، دوروثي شيا.
وفي ما يتجاوز الحاجات الإقتصادية المباشرة، يبرز تساؤل أكثر عمقاً حول إحجام لبنان عن إصدار مواقف رسمية واضحة إزاء القضايا العربية الساخنة، كغزة واليمن والسودان والصومال وليبيا، على نحو ينسجم مع الإجماع العربي الذي لم يتوانَ يومًا عن دعم لبنان في محنه. فأمام إمعان بنيامين نتنياهو في ابتكار ديناميات وتحالفات إقليمية جديدة لاستدراج واشنطن نحو مزيد من العدوان على غزة ولبنان، يلقي السؤال الجوهري بثقله على الجميع: هل يمتلك لبنان شجاعة التحرر من ذهنية الوصاية، والإنتصار لقراره السيادي المستقل؟
اللواء
www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا



