في ليلة رزحت تحت وطأة القصف والتحذيرات، وتصاعدت فيها حدة الغارات الإسرائيلية على العديد من قرى الجنوب اللبناني، لم ينتظر الناس توجيهات أو مبادرات رسمية. وسط الإنذارات التي طالت بلدات ومناطق مختلفة، تجلى مشهد إنساني بارز تمثل في مبادرات تضامنية عفوية، حيث سارع مواطنون إلى فتح منازلهم وقلوبهم للعائلات المتضررة، مؤكدين أن الروابط التي تجمع اللبنانيين في لحظات الخطر تفوق أي محاولات للتفرقة والانقسام.
مع استهداف المنازل والمباني السكنية في أكثر من قرية جنوبية، ازدحمت وسائل التواصل الاجتماعي، خلال ساعات الليل، بنداءات إنسانية متتالية لاستقبال المتضررين وتوفير مأوى مؤقت يحميهم من البرد، ويمنحهم الحد الأدنى من الأمان، ولو لفترة قصيرة. الملفت في هذه النداءات أنها لم تصدر عن أبناء الجنوب وحدهم، بل جاءت من مختلف المناطق اللبنانية، من بيروت إلى الجبل والشمال والبقاع، في مشهد يؤكد مجددًا أن الخطر حين يحل، لا يفرق بين منطقة وأخرى.
هذه المبادرات لم تنطلق ضمن أطر منظمة أو حملات رسمية، بل انبثقت بشكل عفوي من ضمير جمعي استعاد اتجاهه الصحيح في اللحظة الأصعب. عائلات عرضت ما تملك: شققًا متواضعة، منازل مفروشة، أو غرفًا فارغة، دون مقابل ودون سؤال عن انتماء أو موقف. الرسالة كانت واضحة: “نحن لبعضنا”.
وفي خضم هذا المشهد، برزت مبادرات فردية لافتة حملت دلالات عميقة، من بينها إعلان إنساني انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي جاء فيه: “أنا بيروتي سُنّي، قلبي وعقلي مع أهل الجنوب. منزلي ومنزل عائلتي مفتوحان لكل أهلنا في الجنوب. إن اختلفنا في السياسة فهذا حق، وإن اختلفنا طائفيًا فهذا قدر الله وطبيعي، لكن لا يمكنني أن أنام في منزلي فيما هناك عائلات لبنانية مشرّدة تحت القصف.”
كلمات بسيطة أسقطت دفعة واحدة كل الخطابات التحريضية، وقدمت ردًا عمليًا على مساعي زرع الفرقة.
والجدير بالذكر أن هذه النخوة الشعبية تزامنت مع اتساع نطاق الإنذارات والغارات ليشمل بلدات عدة، ما أعاد إلى الأذهان صورًا مألوفة من الحروب السابقة، حين كان التضامن الأهلي يسبق الحسابات السياسية والطائفية. وعلى الرغم من سنوات التحريض ومحاولات إثارة الفتنة، أتت هذه اللحظة لتكذب كل الروايات المضللة: عند الخطر، يقف اللبنانيون صفًا واحدًا.
في وقت يكثر فيه الكلام والشعارات، اختار الناس العمل بدلًا من الاكتفاء بالتصريحات. فتحوا أبواب منازلهم قبل أن يُطلب منهم ذلك. وبين دخان القصف وأصوات الانفجارات، تجلى معنى حقيقي للبنان: بلد قد ينهكه العدوان، ولكنه لا ينكسر، وبلد قد تختلف مكوناته سياسيًا وطائفيًا، إلا أنه في المواقف المصيرية لا يفرقه شيء، بل يجمعه موقف إنساني واحد في وجه عدو غاشم: الإنسان أولًا، وقبل كل شيء.
وفي مقابل هذا المشهد الإنساني المشرف، يبرز الغياب الصارخ للدولة ومؤسساتها، التي تركت الناس يواجهون القصف والتهجير بجهودهم الذاتية. لقد أثبت اللبنانيون مرة أخرى أنهم أقوى من الإهمال، وأن التضامن الشعبي يملأ فراغ السلطة عند كل استحقاق خطير. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: إلى متى يظل المواطن وحده خط الدفاع الأول، بينما تكتفي الجهات المعنية بالمشاهدة؟
www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا




