يشهد القطاع التربوي الرسمي في لبنان، من مدارس وجامعات ومعاهد مهنية، حالة مزمنة من الإهمال والتراجع، تتجلى في ضعف التمويل، تدهور البنية التحتية، وتآكل حقوق الأساتذة والعاملين فيه. ومع كل عام دراسي جديد، تتكرر المشكلات نفسها تقريبًا: مطالبات بتحسين الرواتب، احتجاجات وإضرابات، ووعود رسمية غالبًا ما تبقى دون تنفيذ فعلي أو حلول جذرية.
الأساتذة في التعليم الرسمي يشكون منذ سنوات من تدني الأجور مقارنة بكلفة المعيشة، ومن تأخر المستحقات وغياب الحوافز والتقديمات الاجتماعية الكافية. هذه الظروف لا تؤثر عليهم وحدهم، بل تنعكس مباشرة على استقرار العملية التعليمية وجودتها. فالمعلم الذي يفتقد للأمان الوظيفي والمعيشي يجد صعوبة في العطاء الكامل، والمؤسسة التي تفتقر للموارد تعجز عن تطوير مناهجها وتجهيزاتها ومواكبة التطور التكنولوجي والتربوي.
النتيجة الطبيعية لذلك هي تراجع المستوى التعليمي لدى عدد كبير من الطلاب في المؤسسات الرسمية، ليس بسبب نقص القدرات، بل نتيجة بيئة تعليمية مرهقة وغير مستقرة. ومع ازدياد الإضرابات والانقطاعات القسرية عن التعليم، يخسر الطلاب أيامًا تعليمية ثمينة، وتتسع الفجوة بينهم وبين أقرانهم في مؤسسات أكثر استقرارًا.
أمام هذا الواقع، تتجه شريحة متزايدة من الأهالي إلى المدارس والجامعات الخاصة، رغم الارتفاع الكبير في الأقساط. كثير من العائلات تتحمل أعباء مالية تفوق قدرتها، انطلاقًا من حرصها على تأمين تعليم مستقر لأبنائها. لكن هذا الخيار ليس متاحًا للجميع، ما يطرح إشكالية عدالة الوصول إلى التعليم الجيد، ويهدد بتعميق الفوارق الاجتماعية.
الأخطر أن هذا المشهد يتكرر سنويًا تقريبًا، من دون رؤية وطنية واضحة لإصلاح القطاع التربوي الرسمي على المدى القريب أو البعيد. خطط التطوير إن وُجدت تبقى محدودة أو مجزأة، فيما الأزمة تتفاقم مع الوقت.
وسط كل ذلك، يبرز في الرأي العام تساؤل مشروع حول أسباب استمرار هذا التدهور: هل هو نتيجة عجز إداري ومالي فقط، أم نتيجة غياب الأولوية السياسية للتعليم الرسمي؟ وهل هناك تضارب مصالح أو استفادة غير مباشرة لبعض الجهات من توسع التعليم الخاص؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى نقاش شفاف قائم على الوقائع والأرقام، بعيدًا عن الاتهامات المسبقة، بهدف الوصول إلى حلول فعلية.
إن إنقاذ القطاع التربوي الرسمي ليس مطلبًا فئويًا للأساتذة وحدهم، بل قضية وطنية تمس مستقبل الأجيال. فالتعليم الرسمي القوي يشكل ركيزة للعدالة الاجتماعية ولتنمية أي بلد. من دون استثمار جدي فيه، ومن دون حماية حقوق معلميه وتطوير مؤسساته، يبقى مستقبل آلاف الطلاب معلّقًا بين الأزمات والانتظار.
www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا




