لبنان: لم نتسلم بعد آلية “الميكانيزم” وواشنطن تبحث خيارات متعددة

شير إعلان القيادة المركزية الأميركية المسبق عن جدول اجتماعات “الميكانيزم” حتى شهر أيار، إلى أننا نمر بلحظة سياسية وعسكرية دقيقة للغاية على الصعيدين الداخلي والإقليمي. هذه الخطوة بحد ذاتها تؤكد أن واشنطن لم تحسم أمرها بعد بشأن كسر الإطار الحالي لضبط الحدود ومتابعة الاعتداءات وتنفيذ الاتفاق “المفترض”، وأنها لا تزال تنظر إلى هذا المسار كقناة لإدارة الأزمة، ريثما تتضح الصورة.

وتوضح مصادر سياسية متابعة عبر أن تحديد موعد اجتماع شهري منتظم لا يعني بالضرورة الحفاظ على الصيغة الحالية، بل يعني إبقاء المجال مفتوحًا لإجراء تعديلات لاحقة على الشكل والمضمون. وتؤكد المصادر أن لبنان لم يُبلّغ رسميًا حتى الآن ما إذا كانت الاجتماعات المقبلة للميكانيزم ستُعقد بكامل أعضائها العسكريين والمدنيين كما هو معتاد، أم أنها ستقتصر على الإطار العسكري فقط. وتعتبر المصادر أن هذا الغموض يعكس ترددًا أميركيًا واضحًا في حسم المسار النهائي.

ووفقًا للمصادر، وافقت واشنطن مبدئيًا على الإبقاء على لجنة “الميكانيزم” وعدم إلغائها، لكنها في الوقت نفسه تدرس بجدية فصل المسارين: الإبقاء على التنسيق العسكري داخل اللجنة، ونقل أي مفاوضات ذات طبيعة سياسية أو مدنية إلى إطار آخر، يفترض الأميركيون أنه سيكون ثلاثيًا، يضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة.

وتشير المصادر إلى أن هذه الفكرة ليست وليدة اليوم، بل عادت إلى الظهور بقوة في الأسابيع الأخيرة، باعتبارها الصيغة التي ترضي الأميركيين وتخدم الرؤية الإسرائيلية.

في المقابل، كان الموقف اللبناني، بحسب المصادر نفسها، حاسمًا لجهة رفض إلغاء الميكانيزم. فبالنسبة لبيروت، تمثل هذه اللجنة أحد آخر الأطر التي ترسخ اعترافًا عمليًا باتفاق وقف إطلاق النار والقرار الدولي 1701 الذي يسعى لبنان جاهدًا لإظهار تطبيقه. وبالتالي، تعتبر الدولة أن تجاوز الميكانيزم نحو مفاوضات ثلاثية مباشرة يُعد في نظر اللبنانيين تنازلاً يمهد لترسيخ وقائع جديدة على الأرض.

ويبدو أن التريث الأميركي في حسم خياراته في لبنان مرتبط بأكثر من عامل. أحد هذه العوامل، كما ترجح المصادر، هو انتظار ما ستؤول إليه المواجهة المفتوحة مع إيران، أو على الأقل اتجاه الرياح الإقليمية في الأسابيع المقبلة. فواشنطن لا تريد تفجير المسار اللبناني الإسرائيلي بالكامل، وتسعى إلى الحفاظ على الوضع القائم، ولو بشكل مؤقت.

عامل آخر لا يقل أهمية يتعلق بزيارة قائد الجيش اللبناني المرتقبة إلى واشنطن، وما ستحمله من نقاشات حول دور المؤسسة العسكرية في المرحلة المقبلة، خاصة فيما يتعلق بشمال الليطاني وخطة حصر السلاح.

في هذا السياق، يصبح مفهومًا لماذا لم تُلغَ فكرة التفاوض الثلاثي، لكنها لم تُفعَّل بعد. فبحسب المصادر، لم يتلق لبنان رسميًا أي قرار نهائي بهذا الشأن، وبالتالي يعتبر المسؤولون أن الفكرة مؤجلة ومحفوظة في الأدراج بانتظار لحظة سياسية يعتبرها الأميركيون أنضج وأكثر ملاءمة لفرضها، سواء عبر ضغط أمني، أو عبر ربطها بمسارات أخرى تتعلق بالمساعدات أو بالاستقرار العام.

كذلك، تفهم المصادر تحديد اجتماعات الميكانيزم مرة كل شهر حتى أيار على أنه رسالة مفادها أن الأميركيين ليسوا بصدد تفعيل عمل اللجنة ولا تكثيف اجتماعاتها، مما يعزز فرضية “التأجيل” أو “الانتظار” التي اتخذتها أميركا. وبالتالي، فإن ما يحدث اليوم، بحسب المصادر، هو مجرد إدارة للوقت.

إذًا، لا يمكن اعتبار استمرار اجتماعات الميكانيزم دليلًا على الاطمئنان، ولا مؤشرًا على استقرار طويل الأمد، بل هو تعبير عن مرحلة انتقالية سيبقى فيها لبنان مفتوحًا على جميع الاحتمالات، في منطقة تشهد هزات سياسية كبيرة قد تتحول في لحظة ما إلى زلزال واسع.

شارك هذا المقال

www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا

ملف حليب الأطفال الملوّث… هل يقلق الأهل؟

توقعات الأبراج ليوم الثلاثاء 3 شباط 2026