عون يحسم: وقف الاعتداءات والانسحاب.. قبل التفاوض السياسي

كان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون واضحًا منذ البداية في تحديد موقف لبنان الرسمي تجاه أي مفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركية أو وفق رغبة واشنطن، مع إستبعاد فرنسا والأمم المتحدة. لبنان يؤكد أن الميكانيزم هو الإطار الشرعي الوحيد للتفاوض، وأن الأولويات الوطنية تتمحور حول وقف الاعتداءات الإسرائيلية، الإنسحاب من الجنوب، إعادة الأسرى، والمباشرة بعملية إعادة الإعمار. أي نقاش سياسي أو إقتصادي قبل تحقيق هذه الخطوات غير مقبول بالنسبة إلى لبنان، بحسب ما أكدت مصادر مطلعة على موقف الرئيس عون لـ “المدن”.
المصادر كشفت أنه في الاجتماعات الأخيرة للميكانيزم، كان السفير سيمون كرم يردّ، بحذر كلما أشار الجانب الإسرائيلي إلى التفاوض السياسي، مؤكدًا أن الموضوع حساس، ويجب مراجعة مرجعيته العليا، لا سيما رئيس الجمهورية. هذا الموقف يعكس الازدواجية بين ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل، وما يصرّ عليه لبنان الذي يريد حصر النقاش في الشق الأمني، بينما يركز الطرفان الأميركي والإسرائيلي على الجوانب السياسية والاقتصادية.
الرئيس عون يدور الزوايا قدر الإمكان، تقول المصادر لـ “المدن”. لكنه يضع حدًا أدنى واضحًا: أي نقاش سياسي أو إقتصادي لن يبدأ قبل تحقيق الاستقرار الأمني في الجنوب، ووقف الاعتداءات، وإنجاز خطوات ملموسة مثل الانسحاب وإطلاق الأسرى. لبنان جاهز للبحث في جميع المواضيع، لكن وفق هذه الأولويات، وعلى مراحل إذا إقتضى الأمر، قبل الانتقال إلى المرحلة السياسية.

الضغوط الأميركية والإسرائيلية ومسار الميكانيزم
تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى التفاوض الثلاثي مع لبنان بعيدًا من فرنسا والأمم المتحدة، محاولتين إستخدام البند 13 من اتفاق وقف الأعمال العدائية، للقول إن المفاوضات السياسية لا تدخل ضمن صلاحيات الميكانيزم، والتي تقتصر على القضايا العسكرية. الأميركيون يريدون الفصل بين الشق العسكري، الذي يبقى ضمن الميكانيزم، والشق السياسي والاقتصادي، الذي يصبح ضمن تفاوض ثلاثي أميركي إسرائيلي لبناني.
لكن لبنان يرفض هذا الفصل، مؤكدًا أن الميكانيزم هو الإطار الشامل للتفاوض، وأن الأولويات الوطنية هي أمنية بامتياز. الاجتماعات الأمنية المستمرة في الميكانيزم تهدف إلى وقف إلاعتداءات، والانسحاب الاسرائيلي من الاراضي المحتلة، وإعادة الأسرى وإعادة الإعمار، دون الدخول في تفاصيل سياسية أو إقتصادية قبل تحقيق الأمن والاستقرار. كما يطالب لبنان بالمباشرة في البحث في البند 13 من إتفاق وقف الأعمال العدائية، بما ينص عليه من تثبيت للحدود وإزالة الخلاف حول النقاط الـ13 على الخط الأزرق.
الرئيس عون يصر على أن التفاوض العسكري يمكن أن يستمر، لكن التفاوض السياسي أو الاقتصادي لن يبدأ قبل خطوات إسرائيلية ملموسة، مؤكدًا أن الاستقرار في الجنوب هو المدخل الأساسي للسلام الإقليمي.
هذه النقطة لا تزال عالقة وتحتاج إلى حل، في ظل إصرار إسرائيل على التفاوض السياسي مقابل تمسك لبنان بحصر النقاش في الأمن.
وبسبب هذا التباين، كشفت المصادر أن الأمور تبقى جامدة، بانتظار معرفة كيفية إنهاء الازدواجية والتضارب في المواقف. فعلى الرغم من نوايا الأميركيين والإسرائيليين، لا توجد صيغ واضحة للمستوى السياسي. ولبنان لا يريد أصلًا التحدث في السياسة في المرحلة الحالية. الشرط الأساسي للتفكير في ذلك هو الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، ومن الواضح أن إسرائيل لا تتجاوب معه حتى الآن.

الثنائي يرفض السياسة بلا مكاسب أمنية… وحزب الله يجدد إعتراضه
المصادر المطلعة على موقف بعبدا، أكدت أن السفير سيمون كرم لا يزال في موقعه، على الرغم من أن إجتماعات الميكانيزم تقتصر حاليًا على الجانب الأمني، في ظل إصرار أميركي على الإبقاء على الميكانيزم كإطار أمني فقط في هذه المرحلة. رئيس الجمهورية يواصل تمسكه بموقفه، مؤكدًا أن ما يريده لبنان يختلف عمّا يريده الإسرائيلي والأميركي، وأن هذين الخطين لا يلتقيان طالما أن الاحتلال قائم والاعتداءات مستمرة.
كما أن رئيس الجمهورية لا يغفل موقف الثنائي أمل وحزب الله، اللذين يرفضان أي تفاوض سياسي من دون أن يكون لبنان قد حقق مكاسب أمنية. رئيس الجمهورية يقول إن لبنان جاهز للبحث في كل المواضيع، لكن ليس قبل وقف الاعتداءات والانسحاب وإعادة الأسرى، سواء دفعة واحدة أو على مراحل، ومن ثم الانتقال إلى المرحلة المقبلة.
الموقف واضح بالنسبة إلى رئيس الجمهورية: التفاوض يتم عبر الميكانيزم. إذا كان التفاوض عسكريًا فليكن عسكريًا، أما التفاوض السياسي أو الاقتصادي فلن يدخل فيه لبنان قبل تحقيق الاستقرار والهدوء، ولا تفاوض تحت قوة السلاح والطيران والاعتداءات. المطلوب تحقيق تقدم على المستوى الأمني أولًا، ومن ثم البحث في الخطوة التالية.
الرئيس عون ليس ضد السلام، لا على مستوى لبنان ولا على مستوى المنطقة، ويعتبر أن الاستقرار في الجنوب هو المدخل الطبيعي للسلام. أما في ظل غياب الاستقرار وعدم حصول الانسحاب، فلا إمكانية للدخول في مفاوضات سياسية. وهو يحاول تدوير الزوايا قدر المستطاع، لكن ضمن حد أدنى، مطالبًا بالضغط على إسرائيل لتحقيق خطوة أو مطلب من المطالب اللبنانية، بما يشجع على الانتقال إلى المرحلة السياسية، مع عدم تجاهل واقع الانقسام الداخلي وموقف الثنائي.
في ملف مساري التفاوض العسكري والسياسي، تؤكد المعلومات أن الأميركيين أبلغوا الفرنسيين والسعوديين والقطريين والمصريين بهذا التوجه، وأنهم يعملون على تحقيقه خلال فترة زمنية لم تُحدد بعد. وسيتولى السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى التحضير لهذه العملية. وقد أتى الاجتماع الذي عقده مع السفير الاميركي في تل أبيب مايك هاكابي، في السفارة الأميركية في الأردن أواخر الشهر الماضي في هذا السياق.

الجمود مستمر بانتظار تبدّل الشروط وفرض أولوية الأمن
يبقى الموقف اللبناني صلبًا: الميكانيزم هو الإطار الشرعي للتفاوض العسكري، وأي نقاش سياسي أو إقتصادي لن يتم إلا بعد تحقيق الحد الأدنى من المطالب الأمنية. الرئيس عون، رغم حرصه على السلام والاستقرار الإقليمي، يطالب بالضغط على إسرائيل لتنفيذ خطوات ملموسة، وهو يرى أن الاستقرار في الجنوب هو المدخل الضروري لأي مرحلة سياسية لاحقة. في المقابل، تصر الولايات المتحدة وإسرائيل على فتح النقاش السياسي والاقتصادي بعيدًا من أي إطار دولي أو شرعي، ما يترك الأمور جامدة حتى تتضح كيفية معالجة التضارب في المواقف بين الأطراف.

شارك هذا المقال

www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا

الذهب يكسر حاجز الـ 5000 دولار.. سخونة بحر العرب تُشعل أسواق المعادن النفيسة

رئيس مجلس إدارة “تاتش” يطلع الرئيس عون على واقع قطاع “الخليوي”