عندما سمّي نواف سلام في 13 كانون الثاني 2025 لتشكيل الحكومة، لم يكن اسمه يُطرح للمرة الأولى، ولم يكن مرشح قوى 14 آذار حصرًا، ولا كان صاحب تجارب سابقة في العمل السياسي المحلّي. كثيرون انتظروا ماذا سيفعل في موقعه الحكوميّ صاحب التجربة الدبلوماسية والقانونية والقضائية، وكثيرون توقعوا له الفشل في بيئة سياسيّة لم يكن واحدًا من بين أقطابها. ولكنه بعد عام، لا يزال يتمتع بالقدرة على إعطاء المزيد من الأمل في مهمة استعادة الدولة والقرار. ذلك أنه لم ييأس بعد بل يستمرّ في المواجهة.
على الرغم من الصعوبات الكبيرة التي اعترضته واعترضت حكومته، وعلى الرغم من حجم الإرث الثقيل الذي حملته هذه الحكومة، يرفض الرئيس نواف سلام الاستسلام والفشل. يعرف أن كثيرين ينتظرون منه ومن حكومته ومن العهد والرئيس جوزاف عون اجتراح العجائب، ولكنه يدرك أيضًا أن تركة الحكومات والعهود السابقة منذ ما بعد اتفاق الطائف، لا يمكن محوها بكبسة زرّ، بل بخطوات وقرارات وإنجازات متراكمة حتى لو كانت بطيئة.
مهمة تحرير القرار
هو الجامع بين الإرث العائلي التقليدي، كأحد أبناء عائلة سلام، وبين التحصيل العلميّ والعمليّ، وبين التجارب الشخصيّة في السياسة، يحافظ على سردية سياسية واحدة متماسكة في مواقفه من التحوّلات الحاصلة، تعكس روحيّة رجل الدولة الذي يعرف الهدف ويسعى إليه. لم يقل إنه عاجز أمام الأزمة، ولكنه لم يقل أيضًا إن الحلول مستحيلة. ولأنه يعرف ماذا يفعل لا يتوقف عند حملات التجريح والتخوين التي يتعرّض لها من جانب “حزب اللّه”. فهو يدرك أيضًا أن الأزمة سبّبها “حزب اللّه”، وأن الدولة لا يمكن أن تستعيد سيادتها وقرارها إلّا بالخروج من تحت سلطة الدويلة التي صنعها “الحزب”. مهمة تحرير القرار هي الهدف الأول عند الحكومة وعند العهد.
الطائف وميليشيا “حزب اللّه”
يعرف نواف سلام كلّ ذلك وهو لذلك لا يربط سلاح “الحزب” بمسألة الاحتلال الإسرائيلي بل بالعودة إلى الأصل، إلى اتفاق الطائف الذي أكّد حلّ جميع الميليشيات. وهو يعرف أيضًا أنه عندما أُقِرَّ هذا الاتفاق وصار الدستور الجديد، كان “حزب اللّه” ميليشيا تقاتل حركة “أمل” في الضاحية والجنوب وإقليم التفاح، ولم يكن “حزب المقاومة” ضد إسرائيل. ولم يحصل الاتفاق بينه وبين “أمل” إلّا بعد الاتفاق بين النظامين السوري والإيراني، وبعد إنهاء سلطة العماد ميشال عون في 13 تشرين الأول 1990 وبعد تكريس شرعية سلطة الرئيس الياس الهراوي، وهو لذلك كان ضدّ هذا الاتفاق ورفضَه مع عون.
سلام وثورة 17 تشرين
بين تكليفه في 13 كانون الثاني وتأليف الحكومة في 8 شباط 2025، أثبت سلام مع الرئيس جوزاف عون أنهما متوازنان داخل السلطة ويعرفان ما هو المطلوب منهما في هذه المرحلة. مثل سلام، كان اسم عون مطروحًا لرئاسة الجمهورية منذ ثورة 17 تشرين. كان على عون أن ينتظر انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، وكان عليه أن ينتظر أكثر انتهاء مرحلة الفراغ الذي فرضه “حزب اللّه” بعد خروج عون الأول من قصر بعبدا في 30 تشرين الأول 2022. على عكس عون الثاني، بدأ طرح اسم سلام لرئاسة الحكومة فعليًا بعد استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري في 29 تشرين الأول 2019.
بعد انتخابات 2018 النيابية، كانت لدى محور الممانعة أكثرية نيابية يمكنها أن تسمّي أيًّا كان رئيسًا للحكومة في ظلّ وجود رئيس جمهورية من الخط نفسه هو ميشال عون. ولكن بعد البحث عن اسم غير سعد الحريري، بدأ الهمس باسم نوّاف سلام. تعطّلت الاستشارات النيابية حتى 19 كانون الأول 2019، عندما اتفق محور “حزب اللّه” وعون على تسمية حسّان دياب. 69 نائبًا سمّوا دياب و 14 سمّوا نوّاف سلام.
ميقاتي بعد الحريري
قُضيَ على حكومة حسّان دياب بعد تفجير مرفأ بيروت في 4 آب 2020. استقال دياب بعد ستة أيام. مع خروج الحريري من السباق الحكومي ومع بقائه في موقع الشريك الأوّل في الاختيار، جرت الاستشارات النيابية في 31 آب وسمّى 90 نائبًا السفير مصطفى أديب بينما سمّى 15 نائبًا سلام 14 من “القوات” والنائب فؤاد مخزومي. ولكن أديب سرعان ما اعتذر بعدما لمس أنه مجرّد رئيس للحكومة بينما يختار له “محور الممانعة” أسماء الوزراء.
بعد اعتذار أديب، بدأ التداول بأسماء سقطت تباعًا. وبقيت الأزمة حتى إعادة تسمية الرئيس سعد الحريري في 22 تشرين الأول 2020. 65 نائبًا سمّوه بينما امتنع 53 عن التسمية ولم يطرح اسم نوّاف سلام في المواجهة مع الحريري. بعد اعتذار الحريري عن التأليف في 15 تموز 2021، اختار “حزب اللّه” تسمية نجيب ميقاتي فسمّاه في 26 تموز 72 نائبًا، بينما نال نوّاف سلام صوتًا واحدًا هو صوت فؤاد مخزومي. كانت هذه الحكومة الثالثة التي يرأسها ميقاتي، صدر مرسوم تشكيلها في 10 أيلول 2021، وضمّت الحكومة 24 وزيرًا.
المستحيل صار ممكنًا
بعد انتخابات 15 أيار 2022، اعتُبرَت الحكومة مستقيلة. بعد الاستشارات، عاد ميقاتي إلى السباق الحكومي فسمّاه 54 نائبًا في 24 حزيران 2022 و 25 سمّوا نوّاف سلام و 47 لم يسمّوا أحدًا. لم يشكِّل ميقاتي حكومة جديدة فاستمرّت الحكومة المستقيلة بتصريف الأعمال وبقيت تصرّفها بعد انتهاء ولاية عون. تمسّك “حزب اللّه” بترشيح سليمان فرنجية وفرض الفراغ. وبدأ مع هذه المرحلة طرح اسم نوّاف سلام ليكون الاسم الثاني في تسوية محتملة. لكن الحرب التي وقعت بعد “طوفان الأقصى” قضت على هذه الاحتمالات وأوصلت العماد جوزاف عون إلى قصر بعبدا في 9 كانون الثاني 2025. بذلك بدا أن ما كان مستحيلًا بات ممكنًا.
عيّن الرئيس الجديد موعدًا سريعًا للاستشارات النيابية. اتجهت بوصلة التسمية نحو سلام بعدما توحّدت حوله المعارضة. 74 نائبًا سمّوه. 9 سمّوا ميقاتي. امتنع “الثنائي” عن التسمية. كانت نكسة ثانية بعد نكسة انتخاب الرئيس. وصل نوّاف سلام إلى رئاسة الحكومة مع رئيس من خارج خط “الممانعة” وبعد سقوط هذا المحور.
تأخرت الحكومة فتقدّم “الحزب”
في 8 شباط، تشكّلت حكومة العهد الأولى، وربما حكومة سلام الأولى أيضًا. كثيرون اعتبروا أنها حكومة موقتة ستنتهي مهمتها بانتهاء انتخابات أيار 2026. ولكن ليس هذا الأمر مؤكدًا. الحكومة الجديدة مثلت انقلابًا معاكسًا على تفاهم الدوحة الذي فرضه “حزب اللّه” بالقوّة بعد غزوة 7 أيار 2008. فقد “الحزب” أكثرية نيابيّة كانت مؤيّدة له. وفقد موقع رئاسة الجمهورية. وموقع رئاسة الحكومة وأكثرية الثلثين الوزارية وحتى الثلث المعطّل. ومع ذلك، تأخرت الحكومة في الحسم ضدّ سلاح “الحزب”. صحيح أن الرئيس عون تعهّد في خطاب القسم بحصرية السلاح، وأن الحكومة أكّدت هذا الأمر في بيانها الوزاري، ولكن لم يكن من المفروض أن يتأخر اتخاذ القرار لتنفيذه في 5 و 7 آب 2025. فـ “الحزب” الذي كان يعاني من الضربات التي تلقاها في الحرب ووافق مجبرًا على اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، كان يدرك أنه ينصّ على نزع سلاحه. استفاد من الوقت الضائع ليعيد تموضعه داخل المعادلة ويرفض نزع هذا السلاح مهدّدًا بالحرب. تلافيًا لمثل هذا الأمر، اضطرّت الحكومة إلى التريّث في تنفيذ القرار بشكل كامل، الأمر الذي جعل “الحزب” يتشدّد في الرفض.
لحظة تاريخية للبنان
في 4 شباط الحالي، بدا وكأن الرئيس سلام حدّد الاتجاه الذي ستمشي عليه الحكومة مع الحكم وكأنه باقٍ في السلطة. قال: “من المؤسف أن إسرائيل لا تلتزم بالتفاهمات التي تمّ التوصّل إليها في تشرين الثاني 2024… هذا الواقع يُبقي حالة عدم الاستقرار في الجنوب، ويقوّض جهود حكومتي. لكن جنوب نهر الليطاني بات اليوم تحت السيطرة العملياتية الكاملة للدولة. وهذه هي المرّة الأولى منذ عام 1969 التي تمارس فيها الدولة هذه السيطرة. إنها لحظة تاريخية للبنان، تحققت في ظروف بالغة الصعوبة”. سلام أوحى أيضًا أن لبنان سيبقى بحاجة إلى شكل من أشكال الحضور الدولي في الجنوب بعد انتهاء ولاية “اليونيفيل” آخر العام الحالي، مع تأكيد دور الجيش اللبناني وضرورة دعمه وتجهيزه ليقوم بمهمة استعادة سيادة الدولة على كامل أراضيها.
سلام أكّد التمسّك بمبادرة السلام العربية، مشيرًا إلى أن “شروط السلام غير متوافرة بعد، إسرائيل لا تزال تحتلّ أراضي لبنانية وتنتهك السيادة اللبنانية يوميًا. في ظلّ هذا الواقع، من غير المنطقي بعد الحديث عن السلام”.
لا شك في أنها “لحظة تاريخية للبنان” كما قال سلام. وهو عندما يتحدّث عن مرحلة ما قبل 1969 يحدّد التاريخ الفاصل بين سيادة الدولة اللبنانية والتنازل عنها في “اتفاقية القاهرة” التي سمحت بالعمل الفلسطيني المسلّح. المطلوب اليوم استعادة السيادة كاملة بإنهاء عمل “حزب اللّه” المسلّح. خارج هذا القرار، تبقى كل مهمات هذه الحكومة والحكومات اللاحقة في ما يتعلّق بالتصحيح وسدِّ الفجوة المالية ومكافحة الهدر والفساد وإعادة بناء إدارات الدولة، خارج السيا.
www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا




