
في ظل الحرب الدائرة في لبنان والتوترات الأمنية المتصاعدة في المنطقة، عاد النقاش حول التمديد للمجلس النيابي ليحتل صدارة المشهد السياسي. وبين من يطرح تمديداً طويلاً لولاية المجلس، ومن يدعو إلى تأجيل تقني محدود بانتظار استقرار الأوضاع، يقف اللبنانيون أمام سؤال جوهري: هل يتحول التمديد من إجراء استثنائي إلى سابقة تضرب جوهر الديموقراطية في لبنان؟
في هذا الإطار، برز اقتراح قانون تقدّم به النائب نعمة افرام موقّع من مجموعة من النواب، يقضي بتمديد ولاية المجلس النيابي لمدة سنتين كاملتين، مبرراً ذلك بالظروف الأمنية والحرب الدائرة في البلاد وما قد تفرضه من صعوبات لوجستية وأمنية لإجراء الانتخابات.
في المقابل، برزت اقتراحات أخرى أقل مدة وأكثر حذراً. فقد تقدّم تكتل “لبنان القوي” باقتراح قانون يقضي بتمديد تقني للمجلس لمدة أربعة أشهر قابلة للتجديد مرتين إذا اقتضت الحاجة، بهدف معالجة الظروف الأمنية الطارئة من دون المساس بالمبدأ الدستوري القائم على دورية الانتخابات.
كما تقدّم تكتل “الجمهورية القوية” باقتراح قانون معجّل مكرّر يقضي بتمديد ولاية المجلس لمدة ستة أشهر فقط، باعتبار أن الظروف القاهرة قد تفرض تأجيلاً محدوداً، لكن لا يمكن أن تشكل مبرراً لتمديد طويل يطاول سنتين كاملتين.
المشكلة في التمديد لسنتين لا تتعلق فقط بالمدة، بل بالمبدأ. فالمجلس النيابي يستمد شرعيته من الشعب، عبر انتخابات دورية تمنح المواطنين حق محاسبة ممثليهم وتجديد الحياة السياسية. وعندما يمدد المجلس لنفسه لفترة طويلة، يطرح ذلك سؤالاً أساسياً: هل يجوز لمؤسسة منتخبة أن تصادر حق الشعب في إعادة اختيار ممثليه؟
إن التمديد الطويل قد يفتح الباب أمام تحويل الاستثناء إلى قاعدة، خصوصاً في بلد اعتاد في السابق على تمديد ولاية مجلسه النيابي أكثر من مرة.
لا يقتصر تأثير التمديد على المجلس النيابي فقط، بل يطال أيضاً الحياة السياسية برمتها. فإجراء انتخابات نيابية جديدة قد يؤدي إلى إعادة تشكيل السلطة السياسية وتشكيل حكومة جديدة تعكس موازين القوى الناتجة عن الانتخابات.
أما في حال تمديد ولاية المجلس لمدة سنتين، فإن ذلك يعني عملياً تجميد الحياة السياسية لفترة طويلة، وربما إبقاء الحكومة الحالية ضمن التوازنات نفسها طوال هذه المدة.
وهنا يبرز سؤال مشروع:
هل من يطالب بتمديد ولاية المجلس لسنتين يفرض عملياً أيضاً إطالة غير مباشرة لعمر الحكومة؟
لا أحد ينكر أن الحرب والظروف الأمنية قد تجعل تنظيم الانتخابات أمراً صعباً في بعض الفترات. لكن الفرق كبير بين تأجيل تقني محدود تفرضه الظروف، وبين تمديد طويل قد يضعف الثقة بالمؤسسات الدستورية.
فلبنان الذي يرزح تحت أزمات اقتصادية وسياسية خانقة، وفي ظل حرب مفتوحة، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز الثقة بين الدولة والمواطن. وهذه الثقة لا تُبنى عبر تمديد طويل للسلطة، بل عبر احترام المهل الدستورية وإجراء الانتخابات فور توفر الظروف المناسبة.
قد تفرض الظروف الاستثنائية تأجيلاً تقنياً للاستحقاق الانتخابي، لكن تحويل هذا التأجيل إلى تمديد طويل لولاية المجلس النيابي يشكل سابقة خطيرة في الحياة الديموقراطية.
فالسلطة في الأنظمة الديموقراطية لا تُمدَّد لنفسها، بل تُجدَّد عبر صناديق الاقتراع. وعندما تسمح الظروف، يبقى القرار النهائي دائماً بيد الشعب اللبناني.
www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا








