
يحلّ العيد هذا العام على لبنان مثقلاً بأوجاعٍ لا تُشبه الفرح، ومحمّلاً بقلقٍ يتسلّل إلى البيوت قبل أن تسبقه زينة الأعياد. لم يعد العيد مناسبةً للبهجة كما اعتدنا، بل بات محطةً للتأمل في واقعٍ يزداد صعوبة، حيث تختلط مشاعر الرجاء بالخيبة، والأمل بالخوف من الغد.
في ظلّ الحرب الدائرة في المنطقة، يعيش اللبنانيون حالة ترقّب دائم، وكأنّ شبح التوتر لا يغادر سماءهم. النزوح الكثيف من المناطق المتضررة زاد من الضغط على المدن والقرى، فازدادت الأعباء على العائلات التي بالكاد تستطيع تأمين أبسط مقومات الحياة. لم يعد السؤال: كيف سنحتفل؟ بل أصبح: كيف سنصمد؟
أما على الصعيد الاقتصادي، فلا جديد يُذكر سوى المزيد من التدهور. سنواتٌ من الانهيار لم تُثمر أي تحسّن يُذكر، بل على العكس، تتفاقم الأزمة يوماً بعد يوم. الغلاء الفاحش يطال كل شيء، من المواد الغذائية إلى المحروقات، التي باتت عبئاً ثقيلاً على كاهل المواطنين. ومع كل ارتفاع في أسعار الوقود، ترتفع فواتير المولدات الكهربائية، لتأكل ما تبقّى من مداخيلٍ منهكة أساساً.
وفي وقتٍ تتراجع فيه القدرة الشرائية بشكل مخيف، تبقى الرواتب على حالها، أو تكاد، فتتّسع الفجوة بين الدخل والمصاريف. العائلات التي كانت تنتظر العيد لتفرح أبناءها، أصبحت عاجزة عن تأمين أبسط متطلبات هذه المناسبة، من ثيابٍ جديدة إلى زيارةٍ عائلية بسيطة.
ولا يمكن فصل ما يحدث في لبنان عن التأثيرات الإقليمية والدولية، حيث تلقي التوترات، ولا سيما بين الولايات المتحدة وإيران، بظلالها على الاقتصاد العالمي. هذه الصراعات تنعكس ارتفاعاً في أسعار الطاقة وتقلبات في الأسواق، ما يزيد من معاناة الدول الهشة، ولبنان في مقدمتها.
ومع كل هذا السواد، يبقى في قلب اللبناني شيءٌ لا ينكسر: الإيمان. إيمانٌ بأنّ هذا البلد الذي مرّ بأزماتٍ أكبر، قادرٌ على النهوض من جديد. إيمانٌ بأنّ العيد، وإن جاء حزيناً هذا العام، يحمل في طياته وعداً بأيامٍ أفضل.
فلعلّ العيد القادم يأتي بظروفٍ أرحم، وواقعٍ أكثر استقراراً، وفرحٍ حقيقي يعمّ القلوب قبل البيوت.
وإلى أن يتحقق ذلك، تبقى أمنياتنا صادقة بأن يحمل هذا العيد ولو بصيص أمل، وأن تكون الأيام المقبلة بدايةً لمرحلةٍ أكثر إشراقاً.
أعيادٌ مباركة، على أمل أن تعود في العام القادم بأحسن حال.
قزحيا صقر – منصة جبل لبنان –
www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا











