وتابع: “إنّ ثقافة الانتداب تختلف عن ثقافة الاحتلال، والتمييز بينهما واجب وضرورة. الانتداب حضرة الرئيس يقوم به الأقوى والأكفأ والأنضج فيساعد الشعوب الضعيفة والمتخلفة على بناء الذات الفردية والوطنية وتطويرهما. بينما الاحتلال يقوم به الأقوى والمتعطّش إلى اختزال الآخرين ومصادرة حقوقهم، فيؤسّس لحروب جديدة عندما تتغيّر المعطيات وتنضج الظروف، وفي هذا الاطار، نأمل من الولايات المتحدة في عهدك، وهي الأقوى، أن تتبنّى ثقافة الانتداب بدل الاحتلال، من أجل معالجة أزمات وجودية تعاني منها الدول المتخلفة، فتساهم في تطوير الذات الوطنية لدى شعوبها، وتعدل في توزّع ثرواتها، مقابل نسب مئوية محقّة وعادلة تقتطعها لنفسها، لا أن تلتزم بثقافة الاحتلال في تعاطيها مع هذه الدول، فثقافة الاحتلال تخلق حتمًا مناخًا من الفوضى يؤسّس لاحقًا لحروب جديدة تعمّ العالم بأسره”.
أضاف: “أنا أنتمي لأرض اخترع أبناؤها أحرف الأبجدية وانطلقوا من شواطئ مدنهم وأبحروا بها نحو العالم، أرضٍ وطأتها أقدام المسيح الذي تعبدون ونعبد،أنا أنتمي إلى مدينة أسست أول جامعة للحقوق يوم كان العالم يعيش في غربةٍ موحشة وجهلٍ مطبق، أنا أنتمي إلى وطن ساهم بتأسيس منظمة الأمم المتحدة وبكتابة شرعة حقوق الإنسان، أنا مؤسّس ورئيس لقاء سياسيٍّ مستقلٍّ، يضمّ نخبًا من جميع طوائف لبنان ومذاهبه، ينشط على مساحة الوطن رافعًا راية “الهوية والسيادة” ولم تتلوّث أيادي المنتمين إليه بحرمة الدم ولا بالمال الحرام، رغم كل هذا التاريخ الحافل بالقيم والمعرفة وبالمنجزات، ورغم نضال البعض المتواضع ونحن في لقاء الهوية والسيادة جزء منه، يعاني وطني منذ أكثر من نصف قرن من أزمات متلاحقة، عرّضته ولا تزال تعرّضه لخطر وجودي يلامس حدود الكيان، وتنوّعه الإيمانيّ، وعمقه الحضاري، وغناه الثقافي، وبنيته الاجتماعية، أزمات تسبّبت بها ظروف إقليمية وخارجية قاهرة وتفاعلت معها غرائز لبنانيين أشركوا في ولائهم الوطني، ولم يفهموا معنى الرسالة التي حملها أجدادهم لأجيال مضت، فتردّدوا في حمل لواء السلام الكامل في المنطقة والعالم، وتخاذلوا في رفع رايته، بل بالعكس استثمروا عمالتهم للخارج بالضغط على السلطة وإرباكها، فتردّدت منذ أكثر من ستين عام ثم استسلمت وانصاعت لغرائزهم وجهلهم في مقاربة الأمور، مما جعلها تدفع ويدفع معها لبنان غاليًا، ثمن هذا التردّد وهذا الاستسلام”.
واردف: “لكل هذه الأسباب, ولأنه من غير المعقول أن ينتظر الراعي إذن الذئاب ليدافع عن قطيعه، ولأنك فرضت نفسك المرجع الفاعل، والراعي المؤتمن على نشر السلام بين شعوب الأرض، ولو بالقوة إذا تعذّر التفاهم، أناشدك باسم الجياع والمتألمين المغلوب على أمرهم من أبناء بلدي، وباسم ضحايا سلطة لم تحم أرواحهم من الفلتان الأمني، ولا أموالهم في المصارف من طمع المتسلّطين وجشع الفاسدين، ولا أرزاقهم من غطرسة أصحاب النفوذ وفاقدي الضمير، ولا كرامتهم من خلال محاسبة المعتدين على حقوقهم وكراماتهم أيًّا كانوا. أتسامح وأناشدكم أن تلتفتوا صوب لبنان بعين الحريص على كيانه وعلى مصالح أبنائه، فقد شاء القدر أن تكون فلذة من فلذات كبدك قد اختارت أن تتكحّل عيناها بظلال أرزه وتستريح على شواطئ بحاره، وتتقاسم الولاء بينه وبين بلدها الأم، كأمٍّ لطفل لبناني يحلم بمستقبل دافئ في ربوعه. قدرك حضرة الرئيس أن تكون راعيًا لقيامة وطني فتساعده بالمباشر كي يتحرّر من الاحتلالين الخارجي والداخلي عِلمًا أنه ينطبق علينا القول: “وظلم ذوي القربى وما أكثرهم أشدّ مضاضةً” .
وختم سلامه: “كلّي أمل بأنكم ستستجيبون لندائي لأنّ خلاص لبنان قدر محتوم ولن يخلص بعد أن استبيحت على ارضه، حقوق الشعب ومفاهيم العدالة، إلاّ بقدرة قادر. .”.
www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا



