خاص – لبنان ينتظر الرسالة الرابعة من روما: تاريخ من الزيارات البابوية ورجاء التعايش

زيارة البابوات إلى لبنان ليست مجرد محطات بروتوكولية تُسجّل في أرشيف العلاقات الدبلوماسية، بل لحظات مشحونة بالرمزية والدلالة. لطالما شكّل لبنان، بتكوينه الروحي والثقافي وتعدديته الفريدة، مساحة اهتمام خاص للكرسي الرسولي. لذلك، كل زيارة بابوية حملت رسالة، وكل لقاء ترك ندبة من نور في ذاكرة البلد الذي لطالما عانى تقلبات التاريخ.

البداية كانت عام 1964 مع البابا بولس السادس. ورغم أن وجوده على أرض لبنان لم يتجاوز ساعة واحدة في مطار بيروت أثناء توجهه إلى الهند، إلا أن ذلك الحدث كان تاريخياً بما يكفي ليكسر حاجزاً عمره قرون. للمرة الأولى، يطأ بابا روما أرض الأرز، في لحظة بدت كأنها إيماءة أبوية نحو بلد يشهد على تنوّع لم ينطفئ رغم الرياح العاتية. كانت الزيارة قصيرة، نعم، لكنها رسّخت اعترافاً ضمنياً بموقع لبنان في خريطة الشرق الروحية.

بعد أكثر من ثلاثة عقود، سيأتي البابا يوحنا بولس الثاني عام 1997 في زيارة مختلفة تماماً. هذه المرة، لم تكن زيارة عابرة، بل رسالة صريحة إلى اللبنانيين الخارجين من حرب أنهكتهم. حضوره كان بمثابة إعادة وصل بين الكنيسة ولبنان المنهك، وجملته الشهيرة “لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة” تحوّلت إلى عبارة تأسيسية يستحضرها اللبنانيون كلما حاولوا استعادة صورتهم المشرقة. الزيارة حملت مضموناً أبعد من الطقوس الدينية؛ كانت نوعاً من المصالحة بين بلد خرج من الدمار وصورته التي تستحق أن تُستعاد أمام العالم.

عام 2012، حلّ البابا بنديكتوس السادس عشر ضيفاً على لبنان، في زمن كان الشرق الأوسط يهتز تحت وقع الانقسامات والحروب. جاء ليوقع الإرشاد الرسولي “شركة وشهادة”، وليقول من بيروت إن السلام ليس ترفاً بل ضرورة وجودية للمنطقة. زيارته في لحظة إقليمية مضطربة كانت بمثابة مظلة حماية معنوية للمسيحيين في الشرق، وتأكيداً أن لبنان، بما يمثله من تعدد وتراث حضاري، يحمل دوراً أكبر من مساحته الجغرافية.

هذه المحطات الثلاث كوّنت سردية واضحة: الباباوات يأتون إلى لبنان حين يكون العالم بحاجة إلى تذكير بمعنى العيش المشترك، ويأتون حين يحتاج اللبنانيون إلى جرعة أمل تصدر من مكان ما خارج الفوضى.

العام 2025 سيحمل معه محطة رابعة في هذا المسار. زيارة البابا لاوون الرابع عشر المرتقبة بين 30 تشرين الثاني و2 كانون الأول ستضع اسمه إلى جانب ثلاثة بابوات سبقوه، لتصبح زيارته الزيارة الرابعة لبابا إلى لبنان. أهميتها لا تأتي فقط من الرقم، بل من توقيتها. لبنان اليوم يقف في مرحلة بالغة الحساسية، مثقل بالأزمات ومستنزَف بالتحديات. في مثل هذا الظرف، تصبح الزيارة البابوية أكثر من حدث ديني: تتحول إلى رسالة دعم، ونافذة لعودة لبنان إلى الضوء الدولي، وتأكيد جديد على أن هذا البلد، رغم هشاشته، ما زال يحمل ذلك البريق الذي جعل يوحنا بولس الثاني يصفه بالرسالة.

وبين آثار الماضي وانتظارات الحاضر، سيكتب البابا لاوون الرابع عشر فصلاً جديداً في العلاقة بين لبنان والكرسي الرسولي. زيارة تأتي كأنها امتداد لتاريخ طويل من الإيمان بأن هذا البلد، مهما تعثر، يبقى مساحة للقاء، وواحة تبحث دائماً عن سلام تستحقه

قزحيا صقر – صحافة جبل لبنان

شارك هذا المقال

www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا

التحكم المروري: حركة المرور كثيفة

عناوين الصحف ليوم الجمعة 28 تشرين الثاني 2025