620 مليون دولار سنويًا. هذا ما تتوقع الدولة أن تؤمّنه من الضرائب الجديدة، على البنزين وعلى القيمة المضافة فيما الحاجة الفعلية لتمويل الرواتب تبلغ نحو 800 مليون دولار سنويًا. وزير المال ياسين جابر كان واضحًا في مؤتمره الصحافي: “الإصلاحات بدأت، لكن الدولة تحتاج إلى الأموال الآن، ولا يمكن انتظار الإصلاحات التي تتطلب وقتًا”. لكن ما لم يُطرح بالوضوح نفسه هو أن الإصلاح الفعلي لم يبدأ حقًا وأن بدائل أخرى موجودة قادرة على تأمين إيرادات مماثلة أو أكثر من دون تحميل العبء نفسه للفئات التي تدفع الضرائب أصلًا. فالحكومة التي كانت تعهّدت بعدم زيادة الضرائب عادت واختارت الطريق الأسهل: وفرضت الأعباء على اقتصاد منهك، وعلى مواطن فقد منذ سنوات قدرته على الاحتمال.
طيّب… ما البديل؟
النائبة غادة أيّوب اقترحت أحد البدائل الجدية للتمويل وهو إلغاء إعفاء الذهب المستورد، (سبائك وعملات)، من الضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية. إعفاء لا مبرر له إلا للمصرف المركزي، هذا غير أنه في الواقع يفتح الباب أمام اقتصاد الظلّ والمسارات المالية المشبوهة.
أرقام تكشف حجم هذا المورد الضائع. ففي عام 2023، استورد لبنان نحو 34 طنًا من الذهب، بقيمة تقارب 2.08 مليار دولار. وفي عام 2024، بلغت الكمية 30 طنًا، بقيمة 2.23 مليار دولار. أما في العام 2025، فبقيت الكمية عند 30 طنًا، لكن القيمة ارتفعت إلى نحو 3.33 مليارات دولار نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية.
وإذا بقيت الكميات نفسها في العام 2026، وبحسب الأسعار الحالية المرتفعة، يُتوقع أن تبلغ قيمة الذهب المستورد نحو 5 مليارات دولار. إن فرض الضريبة TVA بنسبة 11 % فقط على هذا الرقم يمكن أن يؤمّن للدولة نحو 550 مليون دولار سنويًا. أي ما يوازي تقريبًا الإيرادات المتوقعة من ضريبة البنزين وأكثر منها حتى، ومن دون أن تسحب الدولة دولارًا واحدًا من جيوب الطبقة المتوسطة والفقيرة.
وهذا المثال ليس الوحيد. فخبراء اقتصاديون يؤكدون أن الإصلاح الجمركي، واستثمار أصول الدولة، يمكن أن يوفرا وحدهما نحو 3 مليارات دولار سنويًا. كذلك، يفتح الإصلاح الجمركي الباب أمام الحد من التهرّب الضريبي، في بلد يقدّر فيه البنك الدولي حجم الاقتصاد الموازي بنحو 40 % من إجمالي الاقتصاد. تجفيف هذا الاقتصاد ورفع نسبة الامتثال لدفع ضريبة الدخل يمكن أن يدخل إلى خزينة الدولة نحو 1.8 مليار دولار سنويًا.
“الدولة تحتاج إلى الأموال بسرعة”. أمام هذا الجواب من وزير المالية يُطرح سؤال بديهي: بعد عام كامل على تولّيكم مسؤولياتكم لماذا لم تبدأوا بهذه الإصلاحات وسواها؟ ألم يكن الأجدر البدء بإعادة هيكلة القطاع العام، أقلّه كي لا يشعر المواطن أنه يدفع من جيبه لموظف غير منتج، أو لوظيفة وُلدت أصلًا من رحم الزبائنية السياسية؟
وسؤال آخر لا يقلّ إلحاحًا: لماذا وافقتم في المجلس النيابي على استنزاف احتياطي الموازنة، عبر توزيعه على مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة وغيرها من الجهات، بدل الحفاظ عليه ضمن رؤية إصلاحية شاملة تعيد التوازن إلى المالية العامة؟
حين يتجنب المسؤول مواجهة واقع التوظيف السياسي العشوائي، وحين تُصرف الأموال خارج إطار الإصلاح البنيوي، وعلى حساب الفئات الشرعية التي تلتزم وحدها بدفع الضرائب، يتبيّن أن السياسات القديمة لا تزال نفسها… ولو قُدّمت بـ “Emballage” إصلاحي.
الدولة العميقة لا تزال متجذرة. وإذا لم يبدأ الإصلاح من جذورها، فهل نكون فعلًا أمام عهدٍ جديد؟
www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا




