كتب عبدالله قمح في المدن – الثابت الوحيد حتى الساعة، أن زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي إلى بيروت غير واردة، أقله حتى الآن. وبالتالي، لا معنى لكل الكلام الذي يتردّد حول زيارة عنوانها إعادة تنظيم صفوف قيادة حزب الله، وأساساً هذا النوع من العلاقات ليس من صلاحية وزير خارجية. أما المتغيّر، فهو الأداء السياسي الذي يعتمده وزير الخارجية يوسف رجي، والذي تقول مصادر حكومية بارزة إنه “لا يعبّر عن سياسة الحكومة اللبنانية الخارجية، القائمة على مبدأ التوازن في العلاقات الدولية”.
إختلاق أزمة دبلوماسية
فجأة، ومن دون أي سابق إنذار، قرر وزير الخارجية يوسف رجي وضع الطلب الإيراني، المرفوع عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، والمتعلق بطلب النظر في أوراق اعتماد تعيين سفير جديد في بيروت، في الأدراج، من دون أي سبب دبلوماسي أو قنصلي، ومن دون مراجعة الجانب الإيراني أو العودة إليه كما تمليه العلاقات بين الدول الصديقة. هذا السلوك دفع الجانب الإيراني، الذي انتظر طويلاً تواصلاً من وزارة الخارجية اللبنانية، إلى الاستفهام عن أسباب التأخير، من دون أن يتلقى أي جواب.
وفي ظل غياب أي موقف رسمي من وزارة الخارجية، لجأت طهران إلى القناة المفتوحة بينها وبين رئيس الجمهورية جوزاف عون، وهي قناة سبق تفعيلها على مستوى عالٍ خلال مشاركة وفود إيرانية في مراسم إحياء الذكرى الأولى للأمين العام الأسبق لحزب الله السيّد حسن نصرالله في أيلول الماضي، للاستفسار عن أسباب التأخير اللبناني وعدم تعاون الخارجية. ولا سيما أن طهران كانت قد رفعت اسم السفير المقترح منذ فترة، وفقاً للأصول والبروتوكولات الدبلوماسية المعتمدة، فيما شارف تفويض سفيرها الحالي في بيروت على الانتهاء رسمياً.
بحسب المعلومات، فوجئ الرئيس عون بعدم رد الخارجية على مسودة الاعتماد الإيراني لسفير جديد، علماً أن لبنان كان قد عيّن سفيراً له في طهران، ووافقت إيران عليه فوراً. هذا الواقع استدعى تدخلاً من فريق رئيس الجمهورية للاستفسار من الوزير رجي عن الأسباب التي تحول دون البتّ بملف تعيين السفير الجديد، دون أن تتلقى جواباً مقنعاً. وفي هذا السياق علمت “المدن” أن الوزير رجّي، أضطر أخيراً إلى “أخذ خطوة” قضت بدرس مقترح أوراق الاعتماد بعد التدخل المباشر من الرئيس. في المقابل، قرّرت إيران الإبقاء على سفيرها الحالي مجتبى أماني، وسط قرار متخذ لديها في عدم تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع بيروت إلى مستوى قائم بالأعمال.
أبعد من سفير
قد تكون القضية، في جوهرها، أوسع من الزواريب اللبنانية، وتتجاوز سلوك وزير الخارجية، لتلامس ما يشبه “أوتوستراداً دولياً” قرر رجّي سلوكه. فالسفير الإيراني المقترح تعيينه في بيروت هو محمد رضا شيباني، وكيل وزير الخارجية الإيراني لشؤون غرب آسيا. شيباني شغل سابقاً منصب سفير إيران لدى لبنان عام 2006، وكان على رأس عمله حين شنّت إسرائيل عدوان تموز – آب 2006، ويُعدّ من أبرز “الصقور” في الدبلوماسية الإيرانية. كما عُيّن سابقاً سفيراً في دمشق خلال ذروة العلاقة الإيرانية – السورية في عهد النظام السابق.
لاحقاً، ومع دخول لبنان مرحلة تصعيد عالية الوتيرة خلال العدوان الإسرائيلي في أيلول 2024، تولّى شيباني مهام القائم بالأعمال في السفارة الإيرانية في بيروت، على خلفية إصابة السفير مجتبى أماني في تفجيرات أجهزة النداء (البيجر). مكث شيباني في بيروت 66 يوماً خلال الحرب. حينذاك، كان شيباني محل رصد من جانب إسرائيل. وتسرّب حينها في أوساط “الحزب” أن تل أبيب قد تُقدم على عمل أمني في محيط السفارة الإيرانية انطلاقاً من الشاطئ القريب، ما استدعى اتخاذ إجراءات احترازية.
موقع شيباني داخل منظومة الدبلوماسية الإيرانية، واعتياده تولي المهام الاستثنائية والعاجلة، قد يفسّران اختياره سفيراً في لبنان في هذه المرحلة الدقيقة، سواء على المستوى الداخلي اللبناني أو في سياق الدور الإقليمي لإيران، في ظل قرار دولي واضح بالسعي إلى تقويض النفوذ الإيراني في منطقة غرب آسيا وسط قرار واضح بإخراجها منها، ولا سيما في عواصم سبق لمسؤولين إيرانيين أن قالوا إنهم يملكون تأثيراً مباشراً فيها.
تقاطع مع قرار دولي
من هذه الزاوية، يمكن فهم موقف الوزير رجي على أنه جزء من مسار تقديم “خدمات سياسية” في اتجاه تقليص النفوذ الإيراني وإخراجه من المنطقة، ومن ضمنها بيروت حيث يعد الوجود الإيراني فيها، كما يراه البعض، عنواناً لتأكيد إستمرارية الدور الإيراني في ظل الإتهامات المستمرة لطهران بأنها مستمرة في دعم حزب الله وتقف خلف مشروع تعافيه. و قد يكون التوجّه نابعاً من نهج انتقامي حزبي، تحديداً “قواتي”، يبدو أن رجي يعتمده في إدارة وزارة الخارجية من خارج الأصول الدبلوماسية، وفق ما يقول مسؤولون بارزون في الدولة.
لكن الثابت، وليس المتغيّر، أن إيران، التي تدرك تماماً ما يجري، لا تبدو في وارد التفريط بالورقة اللبنانية كمظهر من مظاهر الحفاظ على وجودها. بل تميل إلى اعتماد القناة الدبلوماسية بأسلوب ناعم، باعتبار أن لبنان بات آخر ساحة نفوذ لها بعد خسارتها غزة (حماس) وسوريا (الأسد).
خطأ رجّي القاتل
دبلوماسياً، وبعيداً عن أي اصطفاف سياسي، تجمع أوساط دبلوماسية، من بينها سفراء سابقون، على أن الوزير رجي ارتكب خطأً فادحاً. فالقانون الدولي يمنح الدولة التي يُقترح تعيين سفير لديها حق الموافقة أو الرفض، ضمن مهلة زمنية منطقية، شرط إبلاغ الدولة المعنية بأسباب الرفض. وهو ما لم يقم به رجي إطلاقاً، إذ تعمّد تجاهل الطلب الإيراني كنوع من إظهار العداء، في مخالفة واضحة لموقف الدولة غير المصنفة عدواً، ما تسبب بانزعاج في أوساط سياسية متعددة.
أما الخطأ الثاني، الذي وقع فيه من دون أي استشارة، فتمثّل في رد رجّي على إقتراح الوزير عباس عرقجي، خلال ما وُصف بـ”المشادة الناعمة” التي جرت عبر منصات التواصل، زيارة طهران، رافضاً ذلك ومقترحاً اعتماد دولة ثالثة. وهي سابقة لا تنطبق على واقع العلاقات اللبنانية – الإيرانية، حيث توجد علاقات دبلوماسية قائمة وتبادل للسفراء. وكان بإمكان رجي، في الحد الأدنى، عقد الاعتذار وإستبدال ذلك بلقاء يجمعه مع السفير الإيراني في بيروت.
هذا السلوك يعكس نقصاً واضحاً في الخبرة الدبلوماسية، وهو أمر قد يؤثر على صورة لبنان الدبلوماسية.
www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا



