أيام سفر التَّكوين السِّتة تتسلسل وتنتظم من الأوّل حتى السادس في نظمٍ شاعريٍّ مجلَّلٍ بمهابة سرمدياتٍ شعريَّة تصدح بها الملائكة كلمَّا الخالق أمدَّ أرض خلائقه بأملاك إضافيَّة. شمس وقمر وكواكب، نهار وليل، جبال وبحار، رياح وغيوم ومطر وثلج وينابيع، غابات وبساتين وحقول. جميع ما تمَّ خلقه كان مقدِّمة الإعلان عن وطنٍ قد شاءت له المحبة القدوسة إسمًا يترجم الحبَّ إلهًا ووطنًا، ولبنان يتقدَّم الأمم والدول والكيانات واللغات السَّامية بمعظمها تقول وتجزم بأنَّ “لِبانو” لا معنى له بين مجلَّدات الأسماء والمعاني إلاَّ قلب الله وآرامية المسيح يسوع تُسمِّيه “لِبو دموريو”!!
يوم الرَّب
لبنان بالبرهان والمحسوس هو ذاته اليوم السَّابع الذي استراح فيه الله من أعمال الأيام السِّتة السابقة. جباله تتعمشق أمرًا إلهيًا ينزل على موسى: “اخلع نعليك من رجليك قبل أن تطأ أحرام جبل لبنان والأرض القائم أنتَ عليها هي مقدَّسة”. منذ بحر فينيقيا وشواطئها ومرافئها، إلى متى هذا البحر والشواطئ والمرافئ تملأ المراكب صلواتِ ندامةٍ وتوبة واستغفار، وما ترتكبه بحق آباء الحصاد والقمح والخبز وأجداد الحفافي المترَّبة بطحين الصَّخر وفتافيت الجزوع والأغصان. المرافئ البحرية هوَسُ مبرَّر بالطموح وأي طموح هذا الذي يفرِّغ الجبل المقدس من مونتِه الإنسانية والبشرية ويقفل الأبواب ويبيد الأرزاق ويعمِّم سلوكيّات الابن الشاطر على كل عائلة ودار وديار. فلاَّحنا المكفي الذي طالما عيَّشته غلاله سلطانًا مخفيًا، ما أحوج ميراثه ومحراثه إلى ميراثٍ أين منها مراثي أرميا النبي، وبين تلك الحدود وأولئك الجدود أغنى الآيات وأغلى الأمثال :”كمشة شلوش ولا كمشة قروش”!!
مجد لبنان صليبًا لهم
إن كان ابراهيم قد ولد إسحق، وإسحق قد ولد يعقوب حتى آخر الأسباط الإثنين والسَّبعين، فإنَّ لبنان قد أولده هذا المولود قبل كل الدهور القائل: “قبل أن يكون ابراهيم أنا كائن”. لبنان الأصغر مساحة بين الدول، أليس هوّ مرادف بيت لحم صغرى المدن التي ولد منها الذي يخلِّص شعبه، يخلِّصهم من تواطئ ممالك العالم عليهم وعلى خصوصياتهم المعطاة لهمة، منذ أن أعطيت الأقداس للقديسين. رماح أبطالهم المسنونة على مسنَّات النور والنار، هي أقداس نبل الأحزان في عيون أمهات شهدائهم هي أقداس. جنون الوفاء لموطنهم بقاءً حتَّى الوفاة هو أقداس. انتماؤهم إلى مذهبية أبيهم وقائدهم وبطريركهم الأول هو قدس أقداسهم ويوحنا مارون أوصاهم بأن لا يتمذهبوا إلاَّ بمذهب الحرية، حرية انتقالهم من قرع النواقيس إلى قرعهم الأجراس، كما حرية تقريعهم الاستبداد العميم أينما كان شذَّاذه ومهما كانوا. لبنان المتَّصل بسفر نشيد الأناشيد بشهادة كتاب العهد المقدس هو مولود بطاركة، هاماتهم هامة أناجيل الجمعة العظيمة وأجسادهم قرابين مرفوعة فوق المحارق تحت أنظار المشارق والمغارب وصروحم مغاور تلدُ لحمل الله حملانًا، وتلِد لحامل خطايا العالم صلبانًا. لبنان الحروف والمراكب والتجارة الفينيقية لا يرمم له معنى ولا يرفع فيه مبنى إلاَّ بطاركة لا يأتون إلى السَّدة البطرسية إلاَّ من حيث يهبُّ فيهم الروح كيفما شاء، وحدها الريح القدوسة تحتضن كلَّ غصن من أغصان وأوتاد خيمة جبل مارون!!
لبنان المولود أساكيمًا
ملكوت لبنانيٌ أساساته رُكَبٌ متنسِّكة السّجود لحبساء ساجدين على عفيرٍ صخريٍّ ترابيّ في عمق قفارٍ وبراري هي ملك شرعيٌّ مؤبد يملكه أولئك المكتنزون بآية: “لا تقتنوا لكم كنوزًا على الأرض”. ملكوت لبناني جدارنه أشيار باسقة الارتفاع أسوارًا لا تسقط كأسوار أريحا وحصونًا لا يخترقها السلاًّب الشرير من أيَّ موكرة إبليسية انفتحت لغزوته.
ملكوت لبنان الدائم وملكه الثابت رهبان لبنانيون تحردنوا وتشربلوا وترفقنوا. هم مَن سقفوا ملكوت السماوات بشَعرِ مسوحهم وشِعر مزاميرهم وتسابيحهم وأفراميَّاتهم. رهبان لبنانيون يشرَّعون أساكيمهم الملائكية أشرعة سفن مؤتمنة على نقل شعبهم اللبناني حتى رتبة الوصول إلى الميناء، ميناء الخلاص.
ورهبان لبنانيون أساكيمهم أعياد للمظالِ ورؤوسهم جبال للتجلّي ويرتفع صوت وصية السيّد الرب: “لا تدعوا لكم سيِّدًا على الأرض”. وتصدح مناداة كل بطرسٍ فينا: “حسن أن نبقى في لبنان وللبنان يا معلّم”!!!
www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا



