دقيقة صمت يومياً: عادة بسيطة تُعيد ترتيب الدماغ وتُخفّض التوتر

في عالم يتسارع فيه الإيقاع إلى حدّ الإرهاق، وتتشابك فيه الأصوات والتنبيهات والشاشات بلا توقف، تبدو “دقيقة صمت” فكرة بسيطة إلى حد السذاجة. لكن الأبحاث الحديثة في علم الأعصاب وعلم النفس تشير إلى أن هذه العادة الصغيرة، عندما تُمارس بانتظام، يمكن أن تُحدث أثراً حقيقياً في الدماغ، وتُسهم في خفض مستويات التوتر وتحسين القدرة على التركيز دون الحاجة إلى أي دواء أو تدخل معقّد.

الصمت، بخلاف ما يعتقد كثيرون، ليس مجرد غياب للصوت، بل حالة نشطة يمرّ بها الدماغ. عندما نتوقف عن استقبال المحفزات السمعية والبصرية، يبدأ الدماغ في الانتقال من وضعية “الاستجابة السريعة” إلى وضعية التنظيم الداخلي. في هذه اللحظات القصيرة، تنخفض مستويات هرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر، وتبدأ مناطق في الدماغ مسؤولة عن التوازن العاطفي وإدارة الانتباه بالعمل بكفاءة أعلى. دقيقة واحدة قد تبدو قصيرة، لكنها كافية لإعطاء الجهاز العصبي إشارة أمان تقول إن الخطر ليس حاضراً وإن الجسد يمكنه التهدئة.

المثير للاهتمام أن الصمت اليومي لا يشبه التأمل المعقّد أو تمارين الاسترخاء التي تتطلب تدريباً أو وقتاً طويلاً. لا يحتاج الأمر سوى التوقف عن الكلام، إغلاق الهاتف، والجلوس بهدوء دون محاولة “إنجاز” شيء. الدماغ بطبيعته يعرف كيف يستفيد من هذه اللحظة. بعض الدراسات تشير إلى أن فترات الصمت القصيرة تساعد على تحسين الذاكرة قصيرة المدى، لأن الدماغ يستغلها لإعادة تنظيم المعلومات التي استقبلها خلال اليوم.

كما أن هذه الدقيقة تتيح للإنسان استعادة إحساسه بالتحكم. في عالم تفرض فيه الإشعارات والأخبار العاجلة نفسها باستمرار، يصبح الصمت فعلاً واعياً للمقاومة، واختياراً مقصوداً لإيقاف التدفق الخارجي. هذا الإحساس البسيط بالتحكم له أثر نفسي مهم، إذ يقلل الشعور بالعجز ويعزز الاستقرار الداخلي. لذلك يلاحظ كثيرون أن ممارسة الصمت بانتظام تجعل ردود أفعالهم أقل اندفاعاً وأكثر هدوءاً.

من الناحية الجسدية، يرتبط الصمت بتحسين التنفس بشكل تلقائي. عندما يهدأ المحيط، يميل النفس إلى العمق والانتظام، ما يحسّن وصول الأكسجين إلى الدماغ ويساعد على تهدئة ضربات القلب. هذه السلسلة من التفاعلات الفسيولوجية تفسّر لماذا يشعر البعض براحة ملحوظة حتى بعد دقيقة واحدة فقط من الصمت، وكأن الجسد “أعاد ضبط نفسه”.

الأهم أن هذه العادة قابلة للدمج بسهولة في الحياة اليومية. يمكن ممارستها في الصباح قبل بدء اليوم، أو في منتصف العمل، أو حتى قبل النوم. لا تتطلب مكاناً خاصاً ولا وقتاً طويلاً، لكنها مع الاستمرارية تُحدث فرقاً تراكميّاً. دقيقة صمت يومياً قد لا تغيّر العالم من حولنا، لكنها تغيّر الطريقة التي نستقبل بها هذا العالم، وتمنح الدماغ فرصة نادرة لالتقاط أنفاسه في زمن نادراً ما يصمت.

شارك هذا المقال

www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا

عناوين الصحف ليوم الأحد 4 كانون الثاني 2026

الأنباء الكويتية: مواجهة فوضى الدراجات النارية