وإذا كانت دول العالم بأسره تراقب وتنتظر بقلق جلاء الصّورتين الدوليّة والإقليميّة، ومسارات الأحداث المتسارعة على مستوى العالم ومآلاتها وامتداداتها وارتداداتها وتداعياتها على خرائط بعض الدول، فلبنان ليس حالة معزولة، على ما يقول مسؤول رفيع لـ«الجمهورية»، بل شأنه شأن تلك الدول، إلّا أنّه يمتاز عنها بضعف مقلق، لما يعانيه من اشتراكات سياسيّة وافتراقات عميقة، ومن هشاشة أمنيّة تزداد ارتخاءً يوماً بعد يوم، وانحدرت به إلى وضع لا يحتمل أيّ انتظار، حيث ليس معلوماً ما هو مخبأ في الأفق، فالعالم يغلي بالتوترات، وربما بالتحوّلات والمتغيّرات الجذرية التي ربما تكون مفتوحة بدورها على مديات واسعة.
ورداً على سؤال عمّا إذا كان في الإمكان النأي بلبنان عمّا قد يحصل، قال: «لبنان أصلاً، لم يخرج قط عن كونه ساحة تقليدية لتلقّي ارتدادات التطورات الخارجية والتفاعل مع تداعياتها، ووضعه الحالي يبعث على القلق، فلا حصانة حقيقية وركائزها معدومة، ولا سياسة سليمة، والأمن مفخّخ بالإعتداءات الإسرائيليّة. فكيف له في هذا الوضع، او بالأحرى هل يستطيع في هذا الوضع أن يواجه أي تطورات او تداعيات أو ارتدادات؟ أشك».
واستدرك قائلاً: «الخارج ضاغط علينا، والداخل كما نرى – طوعاً او ايحاءً له – يزيد الضغط ويتفنن في ابتداع عوامل الانقسام وتعميق الأزمة. فلو كنا في بلد معافى وطنياً وسياسياً، لكان من السهل التوجّه بنداء لإيقاظ الشعور الوطني وتحريك الحس بالمسؤولية، للتشارك وفق قدراتنا، إن لم يكن لمنع الصدمات عن البلاد، فعلى الأقل تخفيف وقعها. لكننا مع الأسف في بلد مريض. ومع ذلك، كلمة أخيرة لمن تجد من يسمع، وهي انّ الخارج لا يرى سوى مصلحته، ومهما راهنا في الداخل، وكابرنا وصرخنا وزايدنا على بعضنا البعض، فلن يغير ذلك في واقع الحال شيئاً. الحقيقة التي يجب ان يعرفها الجميع هي أننا لا نملك ترف تضييع الوقت، وما زال في إمكاننا ان نلتقط البلد، والّا فإنّه سيفلت منا ويضيع، وآنئذٍ لن ينفع الندم».
بري: الوحدة ثم الوحدة
ويبرز في هذا السياق، تأكيد رئيس مجلس النواب نبيه بري لـ«الجمهورية» على «أنّني لست خائفاً على لبنان، فسبق لي أن اكّدت مراراً، واؤكّد أنني متيقن من أنّ سلاحاً قوياً نملكه هو الوحدة ثم الوحدة بين كل المكونات الداخلية، فهذه الوحدة هي التي تحصّن البلد، وتحميه، وتمنع استباحته من قبل الإسرائيلي على ما هو حاصل في هذه المرحلة. فسلاح اللبنانيين هو وحدتهم، وإسرائيل بما تقوم به من اعتداءات وتفلّت من اتفاق وقف إطلاق النار وتهديدات، ما كان يمكن لها ان تقوم به لو أنّ اللبنانيين جميعاً في صفّ واحد، وعلى كلمة واحدة».
ولفت الرئيس بري إلى «انّ لبنان كلّه في مرمى إسرائيل، وهي لا تستهدف فئة بعينها، بل كل اللبنانيين من دون استثناء، بكل طوائفهم ومذاهبهم ومناطقهم، مستهدفون بالعدوان».
ورداً على سؤال عن احتمالات الحرب والتصعيد، وعن أداء لجنة «الميكانيزم»، سأل: «أليس ما تقوم به إسرائيل هو حرب مستمرة منذ اعلان اتفاق وقف إطلاق النار»؟
وبدا بري انّه لا يعوّل كثيراً على لجنة «الميكانيزم» وليس قابلاً بانحيازها لإسرائيل، وقال: «لقد توصلنا إلى اتفاق لوقف اطلاق النار، ولبنان بكل مستوياته التزم بصورة كاملة بهذا الاتفاق، ولم يبدر من جانبه أي خرق لهذا الاتفاق منذ إعلانه في تشرين الثاني من العام 2024، ونفّذ اللجيش اللبناني مهمّته في جنوب الليطاني على أكمل وجه، فيما تفلّتت ‘سرائيل من هذا الاتفاق، واستمرت في اعتداءاتها واغتيالاتها في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية من دون حسيب او رقيب. وعندما تشكّلت لجنة «الميكانيزم»، أُنيط بها دور الضامن لهذا الاتفاق، ولحسن تطبيقه لناحية عدم الاكتفاء بالمراقبة بل منع انتهاك الاتفاق وفرض تطبيقه على من يخرقه، لكنها منذ تشكيلها لم تقم بهذا الدور، بل لم تبد أي فعالية او جدّية في إلزام اسرائيل بوقف عدوانها».
واكّد بري انّه «لا يمكن القبول بأن يبقى لبنان مستباحاً امام إسرائيل، ولا يمكن القبول باستمرار هذا التمادي في العدوان وتحويل لبنان حقل رماية لإسرائيل، وعدم الإنسحاب من النقاط اللبنانية المحتلة، كما لا يمكن القبول ابداً او السكوت على إبقاء الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية»، رافضاً إهمال قضيتهم والتعامل معهم كمنسيين، «بل هذا الأمر، كما الانسحاب الإسرائيلي ووقف العدوان، ينبغي ان يبقى في رأس قائمة أولويات الدولة، والحكومة في هذا الشأن قطعت الكثير من الوعود والالتزامات».
ومن هنا أضاف بري، فإنّ المسؤولية تقع على الحكومة، في أن تقوم بواجباتها وتوفير مستلزمات تحصين البلد، وعلى الاقل، إنفاذ ما التزمت في بيانها الوزاري، ولاسيما في ما خصّ حماية لبنان وإعادة اعمار المناطق المتضررة، من الضاحية إلى الجنوب والبقاع وكل المناطق التي طالها العدوان الاسرائيلي.
ولفت بري الانتباه في هذا السياق، إلى «أنّ المقاومة ليست لفئة لبنانية دون غيرها، بل هي لكل اللبنانيين وتعني كل اللبنانيين، وما قامت به في سنوات نضالها الطويلة، كان لحمايتهم وحماية لبنان وتحريره من الاحتلال الإسرائيلي، وفي سبيل ذلك قدّمت آلاف الشهداء والغالي من التضحيات. ثم لماذا قامت المقاومة، قامت المقاومة ونشأت لأنّ الدولة لم تحمِ أبناءها، ولذلك، لا يمكن ان نقبل بشكل من الأشكال أن تُمحى هذه التضحيات التي بذلناها في المقاومة على اختلاف فصائلها، من اجل لبنان وتحريره وحفظ استقلاله وسيادته».
وحول الانتخابات النيابية جدّد بري التأكيد على انّها ستجري في موعدها، ويفترض على الجهات المعنية في الدولة، ولاسيما وزارة الداخلية، إعداد التحضيرات اللازمة لإتمام هذا الاستحقاق.
وعندما سُئل بري عن مشروع الحكومة المعجل لإشراك المغتربين للتصويت لكلّ أعضاء المجلس النيابي من أماكن اقامتهم، وانّ هناك اصواتاً تدعو الحكومة للضغط لإقرار هذا المشروع، قال: «البيان الوزاري للحكومة يتضمن اعلاناً صريحاً من قبل هذه الحكومة على انّها لن تتدخّل في الانتخابات».
كلام بري هذا، يتضمن إشارة غير مباشرة إلى انّ الحكومة، بإحالتها المشروع المعجّل إلى المجلس، تجاوزت ما تعهّدت به في بيانها الوزاري، الذي نصّ على ما حرفيته: «.. تحرص حكومتنا على إجراء الانتخابات البلدية والاختيارية والنيابية في مواعيدها الدستورية، وهي تلتزم ترفّع الدولة عن أي انحياز لطرف ضدّ طرف آخر، او التدخّل في مجرى عملية الاقتراع، مع اعتماد الشفافية الكاملة في التنظيم واعلان النتائج».
الجمهورية
www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا



