لم يعد انقطاع المياه حدثًا طارئًا مرتبطًا بموسم دون آخر، بل تحوّل إلى أزمة دائمة تُرافق المواطنين صيفًا وشتاءً على حدّ سواء.
لا في موسم الجفاف ينعم الناس بالمياه، ولا في موسم الأمطار يجدون الاستقرار الموعود.
في الصيف، تُبرَّر الانقطاعات بما يُسمّى “شحّ الموارد المائية”، فتُخفَّض ساعات الضخ أو تُوقف كليًا بحجة انخفاض المنسوب في الينابيع والآبار. وحينها، يُترك المواطن لمصيره، مضطرًا إلى شراء المياه من الصهاريج، دافعًا ثمنًا مضاعفًا: من ماله وراحته.
أما في الشتاء، حين تمتلئ السماء بالمطر وتفيض الأرض بالمياه، فيُفاجأ الناس بانقطاع جديد، هذه المرة بذريعة “تعكّر المياه”. وكأن الأمطار، التي تُعدّ في معظم دول العالم نعمة تُستثمر وتُخزَّن، تتحوّل في لبنان إلى سبب لحرمان المواطنين من أبسط حقوقهم.
في بلدانٍ أخرى، حيث الشتاء قاسٍ، والأمطار متواصلة، ودرجات الحرارة تهبط إلى ما دون الصفر، لا تُقطع المياه عن البيوت. هناك، تُدار الموارد المائية بعقلية التخطيط والاستباق، لا بمنطق الأعذار الموسمية.
المشكلة في لبنان ليست في الطبيعة، بل في الإدارة. ليست في المطر ولا في الجفاف، بل في غياب التخطيط والبنية التحتية.
فلا خزانات استراتيجية كافية لتجميع مياه الشتاء، ولا شبكات حديثة قادرة على استيعاب التغيّرات الموسمية، ولا محطات تكرير فعّالة تضمن نقاء المياه واستمرارية ضخّها، ولا رؤية وطنية تحوّل المياه من عبء إلى مورد مستدام.
ويُضاف إلى كل ذلك سبب أساسي آخر للأزمة: انقطاع الكهرباء. فمحطات الضخ تعتمد بشكل شبه كامل على التيار الكهربائي. ومع الانقطاع المستمر للكهرباء وارتفاع كلفة تشغيل المولدات، تتوقف المضخات، وتتراجع ساعات التوزيع، حتى في الأوقات التي تكون فيها المياه متوافرة في المصادر. وهكذا، يصبح العطش نتيجة مباشرة لأزمة مركّبة: ماء بلا إدارة، وكهرباء بلا استقرار.
النتيجة واحدة في كل المواسمو صنابير فارغة، فواتير صهاريج مرتفعة، قلق يومي، وشعور دائم بالإهمال.
لم يعد السؤال: لماذا تنقطع المياه؟
بل: لماذا لم يُبنَ نظام يحمي الناس من هذا التكرار العبثي؟
الحلول معروفة عالميًا, تخطيط طويل الأمد، خزانات عامة كافية، شبكات حديثة، محطات تكرير فعّالة، وتأمين طاقة مستقرة لمحطات الضخ، إضافة إلى تنسيق حقيقي بين كل الجهات المعنية.
لكن في لبنان، يبدو أن المواطن ما زال محكومًا بأن يعيش تحت رحمة الفصول, صيف بلا ماء، وشتاء بلا ضمان.
بين شحّ الصيف وتعكّر الشتاء، وبين عتمة الكهرباء وغياب التخطيط، يبقى العطش واقعًا يوميًا، وكأنه قدر… لا نتيجة فشل إداري مزمن.
www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا



