قبل أيام من وصول البابا لاوون الرابع عشر إلى بيروت، في زيارة تبدو استثنائية في كلّ تفاصيلها، فضلاً عن كونها تاريخيّة، تدخل البلاد تدريجيًا في مناخ مختلف، وإن بقي هاجس الحرب مسيطرًا عليه. ولعلّ الإعلان رسميًا عن الإجراءات الأمنية واللوجستية المواكبة للزيارة ساهم في ترسيخ هذا المناخ، وكذلك تسريب تفاصيل الأيام الثلاثة التي سيقضيها البابا في لبنان، مع بدء ظهور اللافتات المرحّبة به وبزيارته.
هكذا، يستعدّ لبنان لزيارة البابا في ظروف “غير مثالية” إن صحّ التعبير، إذ تتقاطع فوقه مبادرة مصرية وضغوط أميركية وإسرائيلية مفتوحة، فيما الجبهة الجنوبية “مشتعلة” على حافة انفجار أكبر. مع ذلك، تتعامل السلطة اللبنانية مع الزيارة البابوية بوصفها أكثر من حدث ديني ورمزي، حتى إنّ بعض الخطاب الرسمي يوحي بأن الزيارة بحدّ ذاتها “شهادة حياة”، ورسالة إلى الخارج بأن لبنان ما زال يستحقّ الاستثمار السياسي والاقتصادي والسياحي.
وينظر كثيرون إلى زيارة البابا على أنّها ستشكّل “استراحة محارب” إن صحّ التعبير، أو ربما “استراحة نفسية”، في بلد لا أخبار تتقدّم على أخبار الغارات والشهداء والجرحى منذ عام، بل إنّ الحركة المحيطة بالزيارة أعطت اللبنانيين أملاً بأنّ تُخرِجهم من المستنقع الذي وجدوا أنفسهم فيه، ولا سيما أنّ الزيارة بعنوانها العريض يفترض أن تشكّل “مظلّة روحية” للبنانيين الذين سيتقاطرون لاستقبال البابا، ومطالبته بتذكّر لبنان على الدوام.
لكن، أبعد من هذا الجانب الروحي والنفسي، ثمّة من يراهن على تحويل الزيارة أيضًا إلى مظلّة سياسية غير معلنة. بمعنى آخر، تراهن بعض قوى السلطة على أن تشجّع الروح الإيجابية التي يفترض أن تولّدها الزيارة على تبريد السجالات الداخليّة، وتوفير مناخ أهدأ لاستقبال ما يُحكى عن مبادرات لاحقة، من القاهرة وسواها، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكن السؤال يبقى: إلى أي حد يمكن لرمزية روحية، مهما كانت قوية، أن تغيّر في موازين قوى ميدانية وإقليمية تتجاوز بكثير قدرات الدولة اللبنانية؟
خارج إطار الصورة الرسمية، يقرأ كثيرون التزام إسرائيل، وفق ما يسرّب إعلامها ويؤكد مسؤولون أيضًا، مواصلة عملياتها العسكرية خلال وجود البابا في لبنان بوصفه رسالة بحدّ ذاته. فتل أبيب التي تتصرف كما لو أنّ اتفاق وقف إطلاق النار ملزم للبنان فقط، تُظهر عمليًا أنها غير معنية أيضًا بالرمزية الدينية ولا بـ”حرج” المجتمع الدولي أمام استهداف بلد يستقبل رأس الكنيسة الكاثوليكية، بل إنّها لا تتوانى عن توسيع العدوان عشيّة الزيارة في رسالة معبّرة.
هنا تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية، التي وصلت حدّ التهديد بالحرب الشاملة، وطرح سيناريوهات ضرب مقارّ السلطة والبنى التحتية، ورسائل إعادة النظر في اتفاق الترسيم البحري، بمثابة معادلة ابتزاز واضحة: فإمّا أن يقبل لبنان بالشروط التي تضعها إسرائيل، أو يواجه خطر توسيع الحرب بلا سقف. أما “حزب الله” الذي لم يلوّح بالرد على اغتيال مسؤوله العسكري، فيقول المحسوبون عليه إنه ليس في وارد تقديم صورة الضعيف أو المستسلم تحت وطأة التهديدات.
وفي حين يبدو لبنان الرسمي، وسط هذه المعادلة، في موقع المتفرّج القلِق الذي يحاول تعويض عجزه بجلب أقصى قدر ممكن من الاهتمام الخارجي، تأتي التحركات المصرية كخط محاولة أخيرة لرسم مساحة مشتركة بين هذين الخطّين المتناقضين، وسط انطباع سائد لدى كثيرين بأن ما بعد مغادرة البابا لن يكون كما قبلها، سياسيًا ودبلوماسيًا، وربما أمنيًا وميدانيًا، في ظلّ ما يصنَّف سباقًا مع الوقت لتجنّب الانفجار الكبير.
بهذا المعنى، لا تُختَزل زيارة البابا لاوون الرابع عشر في بعدها الروحي أو البروتوكولي، فهي قد تمنح اللبنانيين نافذة قصيرة من الهدوء الرمزي، هم بأمسّ الحاجة إليها، وقد تعزّز اندفاعة المبادرات العربية لفرملة التصعيد، لكنّها لن تُعفي اللبنانيين، وخصوصًا الطبقة الحاكمة، من الإجابة عن سؤال أبسط وأخطر: هل يريدون فعلًا أن يكون لبنان بلد رسالة، أم أنهم مستعدون للاستمرار في لعبة الجبهات حتى آخر فرصة حماية معنوية وآخر زيارة تاريخية؟
www.mountlebanonpress.com تابعونا عبر موقعنا



